ثانوية الساسي رضواني

موقع ثانوية الشهيد الساسي رضواني
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 خصا ئص الحروف العربية ومعانيها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
gaouaoua tayeb



المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 01/05/2011

مُساهمةموضوع: خصا ئص الحروف العربية ومعانيها   السبت يونيو 11, 2011 3:40 pm

حسن عباس
خصا ئص الحروف العربية ومعانيها
- دراسة -
منشورات اتحاد الكتاب العرب
1998


المقدمة
هذه الدراسة عن "خصائص الحروف العربية ومعانيها" هي أصل لدراسات ثلاث أخرى متفرعة منها قد تناولت المزيد من مسائل الحرف العربي وقضاياه، بما في ذلك مختلف العلاقات الفطرية المتبادلة بينه وبين الإنسان الذي أبدعه. وهي بحسب تواريخ إنجازها:
الأولى- خصائص الحروف العربية ومعانيها- أنجزتها عام (1982) وهي رهن الدراسة.
الثانية- الحرف العربي والشخصية العربية- أنجزتها عام (1987) ونشرتها عام 1992.
الثالثة- حروف المعاني بين الأصالة والحداثة أنجزتها عام 1991 وهي قيد النشر.
الرابعة- إطلالة على الإعجاز اللغوي في القرآن نشرتها عام 1994.
فماذا عن هذه الدراسات الأربع:
ولنبدأ بالدراسة الرابعة (الإطلالة).
إنها مجرد تطبيق عملي لما تحصّل لي من خصائص الحروف العربية ومعانيها في الدراسات الأخرى على أرقى النصوص اللغوية فصاحة وبلاغة. فقد اختبرت ما تحصل لي من خصائص ومعاني (23) حرفاً من مئات الجداول على واقع استعمالات القرآن الكريم لها في (سوره وآياته ومفرداته وقوافيه- أي فواصله) بدقة وإحكام لا نظير لذلك في أدب أو شعر أو معجم. وقد استوفى كل استعمال منها شروط الإعجاز اللغوي، مما لم ينتبه له أي من مفسري القرآن أو الباحثين عن إعجازه اللغوي، ولا عتب عليهم في ذلك لأن أياً منهم لم يهتد إلى خصائص الحروف العربية ومعانيها.
وحذر الإطالة أكتفي بهذا المقدار الضئيل من التنويه بتداخلها في الدراسات الأخرى، لأنها كما أسلفت مجرد تطبيق عملي لها. وإذن ماذا عن تداخل دراساتي الأخرى؟
لئن كانت هذه الدراسات تتماس مع بعض ما سبقها من الدراسات اللغوية حول خصائص الحروف العربية ومعانيها، فإنها ليست مجرد توسع لها، ولا استطراداً لبحوثها، وإن كانت تعتبر استكمالاً لها، فهي تختلف عنها في منطلقها (الفلسفي) وفي نهجها (العلمي- الرياضي) كما سيأتي في المدخل، مما يحفظ لها استقلالها عن غيرها. وإذن ماذا عن الجديد في كل واحدة منها؟
أولاً- بعض الأضواء على الجديد في دراستي "خصائص الحروف العربية ومعانيها"؟
لقد حدست في أول كتاب لي "هذه أمة العرب في تجاربها" المنشور عام 1958 أن ثمة علاقات فطرية متبادلة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، أوجزتها في مقولة "لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن" ولقد تثبت من صحتها في قطاع المشاعر الإنسانية بكتابي الثاني "لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن" المنشور عام 961. ومن ثم وحسماً لكل جدل حول هذه المقولة، خطر لي أن أتثبت من صحتها في القطاع اللغوي بحثاً عما إذا كان الإنسان العربي قد خصص الكلمات التي في أصوات حروفها (رقة، وأناقة، وجمال، ودماثة، وصقل، وفعالية...) وما إليها مما له صداه المحبب في النفس، لما يناسبها من المعاني الجيدة والعكس بالعكس، وبذلك يتحقق التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية في القطاع اللغوي أيضاً.
ولقد انجزت دراستي "خصائص الحروف العربية ومعانيها" للمرة الأولى عام 978 تحت عنوان "الحروف العربية والحواس الست" باعتبار أن (الشعور) هو الحاسة السادسة، وقد اتبعت في ذلك نهج من قال بفطرية اللغة العربية ممن اجمعوا صراحة أو ضمناً على أن معنى الحرف العربي هو (صدى صوته في الوجدان، أو النفس). وكان ابن جني أبلغ من عبر عن هذه النظرية اللغوية الفطرية بمقولته الشهيرة: (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".
ومن ثم وفي إحدى مراجعاتي لها أفاجأ بأن الإنسان العربي الذي اعتمد الخصائص (الإيحائية) في أصوات بعض الحروف للتعبير عن معانيه، قد اعتمد أيضاً الخصائص (الهيجانية) وكذلك- الخصائص (الإيمائية- التمثيلية) في بعضها الآخر. وكان من طبيعة الأمور أن أعيد دراسة المشروع الأولى: "الحروف العربية والحواس الست" حرفاً حرفاً من (ألفه إلى يائه).
وتستمر الرحلة بي بضعة عشر عاماً أخرى، فكان أعقد ما واجهني في تقصياتي خلالها ثلاث قضايا هي:
أولاً- التحري عن الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) المتوقعة في كل حرف، وذلك بحسب مواقعه في أوائل جميع المصادر الجذور إطلاقاً وكذلك لتسعة عشر حرفاً تقع في آخرها، ثم لستة أخرى تقع في وسطها. وقد تبين لي أن خصائص كل حرف تتغير من موقع إلى آخر، وذلك تبعاً لطريقة النطق بصوته: مشدداً عليه في مقدمة المصادر، ومرققاً منعماً في آخرها، وبين بين في وسطها. وبذلك يكون للحرف الواحد العديد من المعاني بحسب مواقعه من المصادر الجذور التي يشارك في تراكيبها.
ثانياً- أما أشق ما عانيته في هذه الدراسة فهو الاهتداء إلى المصدر الجذر الألصق بالطبيعة وإلى معناه الألصق بالفطرة.
وذلك لأن الأصل في معنى الكلمة العربية هو ما أخذه العربي مباشرة عن الطبيعة: "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد" كما قال ابن جني. فيكون الأصل في معناه تبعاً لذلك هو الحسي ثم جاءت المشتقات بمعانيها الحسية الأخرى، ثم المجردة في مراحل ثقافية متطورة.
فمن (2931) كلمة ومشتقاً تبدأ بحرف (النون) عثرت عليها في المعجم الوسيط، ومن آلاف معانيها الحسية والمجردة، قد وقع اختياري على (368) كلمة اعتبرتها مصادر جذور. وقد اعتمدت لكل واحد منها معنى حسياً واحداً، وربما أضفت إليه معنى مجرداً ثانياً في قليل من الأحيان، وذلك للكشف عن الرابطة الذهنية المميزة بين المعنيين: الحسي والمجرد.
ولا مطعن جدّياً على دراساتي في هذا الاختيار، ما دمت قد التزمت بقاعدة صارمة لم أحد عنها: هي اعتماد الكلمة الألصق بالطبيعة والمعنى الحسي والألصق بالفطرة بما يتوافق مع نشأة اللغة العربية الحسية وسائر اللغات العروبية (السامية).
ودعماً (علمياً- رياضياً) لهذه الدراسة في مواجهة القائلين باصطلاحية معنى الكلمة العربية واعتباطيته فقد استعرضت في هذه الدراسة معاني (9767) مصدراً جذراً لعشرات الوف المعاني، أثبت منها معاني (3523) مصدراً كأمثلة على توافق خصائص الحروف العربية مع معانيها فكانت نسبة التوافق بينهما تراوح بين (50-91) في المئة، ولم تقلّ عن ذلك إلا في الأحرف (الهيجانية) وحرفي (ت-ح) لأسباب خاصة كما سيأتي في متن الدراسة.
هذا وقد خصصت الفصل الأخير من هذه الدراسة للحديث عن المشاعر الإنسانية وفق ما تناولها علم النفس وذلك للبرهان على توافق المبادئ والأسس التي اعتمدتها في هذه الدراسة مع مبادئ علم النفس،سواء بمعرض الكشف عن النهج الذي اتبعه العربي في ابداع كلماته تعبيراً عن معانيه، أم بمعرض النهج الذي اتبعته في استشفاف تلك المعاني.
ثالثاً- أما أغرب ما جاء في هذه الدراسة، فهو تصنيف الحواس الخمس والمشاعر الإنسانية في هرم تبدأ قاعدته بالحاسة اللمسية، أشد الحواس كثافة والصقها بمادة الأشياء، ثم تليها صعوداً على التوالي حواس (الذوق، فالشم، فالبصر، فالسمع، فالمشاعر الإنسانية) ولكل واحدة منها فئة معينة من الحروف.
فكانت معاني المصادر الجذور التي تبدأ أو تنتهي بكل فئة منها تلتزم بطبقتها الحسية، لا تتجاوزها صعوداً إلى الطبقات الأعلى، إلا نادراً وإن كان لها الحق (الشرعي) في الهبوط إلى الأدنى وذلك بحكم ولاية الأعلى مرتبة على الأدنى. وغالباً ما يتم الخروج على هذه القاعدة بشفاعة حرف مشارك ينتمي إلى الطبقة الأعلى، على غرار ما يتم في الأندية العصرية الراقية.
ثانياً- بعض الأضواء على الجديد في دراسة (الحرف العربي، والشخصية العربية):
بعد أن انتهيت من دراستي (خصائص الحروف) ثبت لي على واقع آلاف الأمثلة المضروبة أن العربي قد اعتمد خصائص الحروف ومعانيها في ألفاظه للتعبير عن معانيه، ولقد آخى في ذلك بصورة عامة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، مما يشير إلى فطرية العربية.
ولكن هذه الفطرية تفترض بداءة الحرف العربي وفجرية الإنسان الذي أبدعه. بمعنى أنهما قد نشآ وترعرعا واستوفيا شروط تكاملهما ونضجهما في بيئة محددة هي حصراً (الجزيرة العربية)، لم تغزهما فيها لغة ما، ولا شعب آخر، والعكس صحيح. وهذا يقتضي أن تكون الجزيرة العربية الأم هي الأسبق حضارياً وثقافياً من سائر المناطق المجاورة.
ولما كان العربي قد اعتمد في آلاف الأمثلة المضروبة الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) في الحروف العربية للتعبير عن معانيه، فلا بد أن تعود أصولها إلى مراحل حياتية متفاوتة في الرقي، قد أمضاها في جزيرته البكر حصراً.
فالهيجاني أقل تطوراً من الإيمائي، وهذا أقل تطوراً من الإيحائي، وهو أرقى وسائل التواصل اللغوي، مما لم يعد له نظير في أي لغة معاصرة أخرى، وهذا يعني أن الحروف العربية تنتمي بالضرورة إلى مراحل حياتية ثلاث متفاوتة في التطور والرقي.
ولكن ماذا عن طبيعة هذه المراحل؟ ومتى بدأت كل واحدة منها، ومتى انتهت. ثم ما هي الرابطة الفطرية الطبيعية بين كل مرحلة منها وبين خصائص الحروف التي ورثناها عنها؟ وأخيراً، ما هي طبيعة العلاقات الفطرية المتبادلة بين الحرف العربي والإنسان الذي أبدعه؟
لذلك واستكمالاً لدراستي العتيدة (خصائص الحروف)، وحماية لها من نقد الشاكيّن الأبرياء، ومن تحامل المشككين بفطرية العربية وحروفها، كان لا بد لي من الإجابة عن تلك التساؤلات، وغيرها بالعودة إلى المراجع المختصة.
ولكنّ علماء الآثار والتاريخ واللغات ومن إليهم، قد أهملوا الجزيرة العربية، لظاهرة تصحرها في تقصياتهم عن أصول الحضارة البكر، سواء في استئناس النبات والحيوان، أو أصول اللغات والعبادات وما إليها، ما شذَّ عنهم فيما وصل إلى علمي سوى المؤرخ الكبير (شوينغرت) حيث يقول:
"إن الشعير والذرة الرفيعة والقمح وتأنيس الماشية والماعز والضأن وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد ما بين النهرين من أقدم العهود المدونة، لم توجد في حالتها الطبيعية في مصر، بل في بلاد آسيا الغربية وبخاصة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة (أي الجزيرة العربية).. ثم انتشرت منها في صورة مثلث ثقافي إلى ما بين النهرين (سومر وبابل) وإلى مصر". ويعلق (ديورنت) على ذلك في قصة الحضارة ج1 (ص42) بقوله:
"ولكن ما وصل إلى علمنا من تاريخ بلاد العرب القديمة حتى الآن ليبلغ من القلة حدّاً لا نستطيع معه إلا أن نقول: إن هذا مجرد فرض جائز الوقوع".
وللإجابة عن هذه التساؤلات الفائقة الأهمية والإحراج كان لا بد لي من الاستعانة بالمراجع (التاريخية والأثرية والاجتماعية واللغوية وسواها) ولا سيما ما يتعلق منها بأصول الحضارات الإنسانية في المناطق المجاورة للجزيرة العربية (مصر+ بلاد ما بين النهرين+ بلاد الشام أي (سورية+ الأردن ‏+ فلسطين) وقد خلصت منها إلى النتائج التالية:
1-اللغة العربية هي فطرية النشأة (موضوع الفصل الأول)
2-الإنسان العربي والحرف العربي قد تعايشا معاً في الجزيرة العربية خلال ثلاث مراحل حياتية هي: الغابية وقد بدأت مع بداية العصر الجليدي الأخير منذ الألف (100) ق.م واستمرت حتى نهايته في الألف (14-12) ق.م وقد ورثنا عنها يقيناً أصول أحرف (الهمزة -ا-و-ي) ثم تلتها المرحلة الزراعية واستمرت حتى الألف (9) ق.م وقد ورثنا عنها باحتمال شديد أصول أحرف (ف-ل -م- ث-ذ) ثم تلتها المرحلة الرعوية بعد استحكام الجفاف في الجزيرة العربية واستمرت حتى العصور الجاهلية وفجر الإسلام. وقد ورثنا عنها باحتمال شديد بقية الحروف. (موضوع الفصل الثاني).
وإنه لمن غرائب العربية المدهشة، أن يحتفظ العربي بدلالات هذه الفئات الثلاث من الحروف العربية. وقد عرضت أسباب ذلك في خاتمة دراستي (خصائص الحروف..) تحت عنوان "حول تداخل المراحل اللغوية".
3-الجزيرة العربية هي حتماً مهد الإنسان العربي وحضارته (موضوع الفصل الثالث).
4-أما الفصلان الأخيران (الرابع والخامس) فقد خصصتهما للكشف عن عوامل تكوين شخصيتي الإنسان العربي والحرف العربي: (الحيوية والنفسية والاجتماعية) وكذلك عن دور الشعر العربي الأصيل والفروسية في خلق الروابط الفطرية المتبادلة بينهما.
ثالثاً- بعض الأضواء على الجديد في دراستي (حروف المعاني بين الأصالة والحداثة):
لقد انتهيت من دراستي "خصائص الحروف" إلى أن الأحرف الهيجانية الغابية: "الهمزة- ا-و-ي) لا تأثير يذكر لخصائصها في معاني المصادر الجذور على واقع المعاجم اللغوية، وبذلك تكون معدومة المعاني، ولكنني لاحظت كثرة دورانها في حروف المعاني التي يتألف معظمها من حرف واحد أو حرفين، مما يشير إلى أنها أقدم المستحاثات في اللغة العربية: تأسيساً على أن العربية قد بدأت بالمقاطع الأحادية ثم بالثنائية، ثم بالثلاثية فالمزيدات، كما ذكر العلايلي في مقدمته، وهو صحيح.
لذلك توقعت أن تكون هذه الأحرف (الهيجانية) قد ظلت محتفظة بدلالاتها ومعانيها في حروف المعاني لتقارب نشأتيهما في أعماق الزمن: كما (الهمزة) في (آ) لنداء البعيد: إثارة لانتباه السامع بصوتها الانفجاري الهيجاني وهكذا الأمر في أحرف (ا-و-ي).
فرأيت أن أتقصى خصائص هذه الأحرف في القطاع (الصرفي- النحوي) قبل نشر أي دراسة أخرى وذلك للسببين التاليين:
1-لسد هذه الثغرة المعجمية الكبيرة في خصائص الحروف العربية ومعانيها. وذلك حماية لدراساتي من الطعن بفطرية اللغة العربية من هذه الثغرة (الهيجانية).
2-أما الأهم والأخطر، فهو: إثبات أن اللغة العربية تعود نشأتها الأولى إلى المرحلة الغابية. وبذلك تتحصن دراساتي من الطعن بما تحصل لي فيها من المستجدات (التاريخية والاجتماعية والأثرية والنفسية واللغوية..) وما إليها، مما يثبت هذا التواصل (الحضاري- الثقافي) في التراث العربي مرحلة حياة بعد مرحلة، منذ عهد الغاب حتى الإسلام.
فقد استعرضت معاني وأصول استعمالات (117) مفردة من حروف (النداء والعطف والجر والنصب والجزم والمشبهة بالفعل والنفي والترجي والعرض والتحضيض والاستفهام وأسماء الكناية والإشارة والضمائر وذلك بالرجوع إلى خصائص ومعاني حروفها وفقاً لما جاء في (خصائص الحروف العربية ومعانيها).
فكان لكل مفردة من حروف المعاني العديد من المعاني والأقسام والاستعمالات، قد تجاوز بعضها الخمسين كما في (ما-لا) وقد توافقت الغالبية العظمى من معاني هذه المفردات واستعمالاتها مع خصائص الحروف التي شاركت في تراكيبها، سواء أكانت هيجانية أم غير هيجانية.
وعندئذ جرؤت على نشر دراستي (الحرف العربي والشخصية العربية، ثم الإطلالة) بكثير من الثقة بعد أن تم الكشف عن خصائص الحروف العربية ومعانيها جميعاً بلا استثناء، سواء في القطاع المعجمي أم القطاع الصرفي- النحوي.
وهكذا ما أحسبني مدعياً لو قلت: إن هذه الدراسات الثلاث تمهد الطريق للانتقال باللغة العربية من مرحلة (كيف) استعمل العربي مفرداته وقواعد صرفه ونحوه التي دامت ألف عام ونيف إلى مرحلة جديدة، هي: (لماذا) استعملها العربي هكذا؟ فما من واحد من علماء اللغة وفقهاء صرفها ونحوها فيما أعلم، قد تساءلSadلماذا) أبدع العربي كلمة (أنا) ضميراً للمتكلم، و(نحن) لجمعه، و(أنت) للمخاطب، و(هو) للغائب؟ وقد أجبت عن هذه التساؤلات في دراستي "الحرف العربي" . (ص79-82).
ولا (لماذا) جعل (الواو) للعطف بلا ترتيب و(الفاء) للترتيب بلا تراخ، و(ثم) للترتيب والتراخي؟ ولا (لماذا) رفع المرفوعات ونصب المنصوبات وجر المجرورات وجزم المجزومات؟
وهكذا إلى مئات التساؤلات في القطاع الصرفي - النحوي، وقد أجبت عنها في هذه الدراسة. لذلك، ولما كان فقهاء الصرف والنحو قد اعتمدوا النصوص العربية من (نثر وشعر وقرآن) للاهتداء إلى معاني وأصول استعمالات حروف المعاني بلا ضابط من خصائص الحروف العربية ومعانيها، فقد اسندوا إلى معظم حروف المعاني، معاني ليست لها، وحرموا بعضها الآخر من أخص خصائص معانيها واكتفي هنا بمثالين اثنين:
1-لقد اسندوا إلى حرف (الباء) من حروف الجر معنى الإلصاق، بما يتعارض مع خاصية الانفجار في صوته، فكان له في المعجم الوسيط (84) مصدراً تبدأ به لمعاني الحفر والبقر والبيان بما يتوافق مع خصائص صوته، ولا شيء للإلصاق.
2-أما (اللام) من حروف الجر، فإن أياً من الفقهاء لم يسند له معنى الإلصاق بينما كان له في المعجم الوسيط (82) مصدراً جذراً تبدأ به لهذا المعنى. كما أن الإلصاق هو من أهم معانيه الصرفية، كما في (لام الأمر، ولام التملك، وأل التعريف...)
وكما أنه ليس ثمة ما هو أهدى لمعاني المصادر الجذور من خصائص الحروف العربية ومعانيها، كما ثبت ذلك في دراستي (خصائص الحروف..) فإنه ليس ثمة أيضاً ما هو أهدى منها لمعرفة معاني حروف المعاني وأصول استعمالاتها كما ثبت لي في هذه الدراسة (حروف المعاني بين الأصالة والحداثة).
توضيح لا بد منه:
لقد اعتمدت المعجم الوسيط الحديث في تقصياتي عن المصادر الجذور بمعرض البحث عن مدى تأثير معانيها بخصائص حروفها، ولم اعتمد المعاجم المطولة لقدامى اللغويين ومحدثيهم، أمثال (الكشاف للزمخشري، وتاج العروس للزبيدي، والمحيط للفيروز أبادي، ومحيط المحيط لبطرس البستاني ولسان العرب لابن منظور.." وذلك لأن زيادة المفردات فيها عن الوسيط هو في الغالب من غرائب الكلم لغرائب المعاني من مزيدات الرباعي والخماسي، أو من المولد أو المعرب أو المحدث، أو الدخيل أو العامي، مما هو أبعد في الزمن عن النشأة الفطرية للعربية، وعن أصالتها.
وبذلك فإن (الوسيط) يغني عن المطولات بمعرض البحث عن المصادر الجذور الألصق تركيباً بالطبيعة وعن معانيها الألصق فطرة بالمحسوس. وقد عالجت هذه المسألة في دراسة حرف (العين) بمعرض استخراج معاني المصادر التي تبدأ به في كل من المعجم الوسيط ومحيط المحيط، كما سيأتي، مما لا مجال للتفصيل فيه هنا.

-المدخل-
تمهيد:
لقد تحدثت في المقدمة بإيجاز شديد عن أهم مضامين دراساتي الثلاث عن الحرف العربي وعن تداخلها مع بعضها بعضاً. ولئن كانت كل واحدة منها قد اعتمدت بخاصة بعض العلوم اللغوية أكثر من غيرها فإن أياً منها لم تخل من التداخل والتماس مع العلوم اللغوية المعتمدة فيها جميعاً. فكفل لها ذلك تماسكها وتكاملها ووحدتها، مما جعل منها مساهمة جديدة في العلوم اللغوية في صور من الإضافات على النظريات اللغوية كما لاحظنا ذلك في المقدمة.
وكل إضافة جديدة في أي قطاع معرفي تقتضي منطلقاً جديداً أي (مبدأ جديداً) في التقصيات، وإلا كانت مجرد توسع أو استطراد.
على أن المنطلق الجديد لا يأتي بإضافات (نتائج) جديدة صحيحة، إلا أن يكون هو وموضع تطبيقه فطريين أصيلين.
فماذا عن منطلقي الجديد وموضع التطبيق عليه؟
لقد عرضت في المقدمة أني انطلقت في دراساتي الثقافية من مقولة فكرية غريبة عن علوم اللغة، هي "التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية" وقد تثبت من صحتها بتطبيقها على المشاعر الإنسانية في دراسة "لا فن بلا أخلاق، ولا أخلاق بلا فن". مما يشير إلى فطرية هذا المنطلق وإلى فطرية موضع التطبيق عليه "المشاعر الإنسانية".
وعندئذ خطر لي أن أطبقه على اللفظة العربية للتثبُّت من صحته أولاً، ثم من فطرية العربية ثانياً. وبما أني قد تثبت من صحتها فعلاً في دراساتي اللغوية الثلاث، كما أسلفت في المقدمة، فهذا يشير إلى فطرتهما وأصالتهما. مما يشكل فيما أرى إضافة جديدة على النظريات اللغوية، فالمنطلق جديد وأصيل، واللغة العربية فطرية النشأة بديئة.
ولكن ماذا عن منطلقات النظريات اللغوية ومواضع التطبيق عليه؟
إن منطلقات نظريات علماء اللغة الغربيين والشرقيين في أي من علوم اللغة (التاريخي، والاجتماعي، والصوتي، والنفسي والوظيفي والبنيوي والوصفي والدلالي...) وما إليهما، هي جميعاً فطرية واصيلة وإن كان كل واحد منها محدوداً غير شامل بدليل تعددها. ولكن أياً من مدارسهم هذه لم تصل إلى نتائج حاسمة، لأن اللغات التي اعتمدوها موضعاً لتطبيق منطلقاتهم لم تكن فطرية كما سيأتي وشيكاً، فاختل بذلك طرفا كل من معادلاتهم.
المنطلقات فطرية أصيلة ولكن مواضع التطبيق عليها غير فطرية ولا أصيلة.
وهذا ما أفسح المجال لإضافاتي الجديدة على نتائج دراساتهم اللغوية، ولكن قبل الحديث عن هذه الإضافة لا بدمن معالجة قضيتين اثنتين هما: موضع تطبيق منطلقاتنا اللغوية ثم موقع دراساتي من النظريات اللغوية ومدارسها.
القضية الأولى: حول موضع تطبيق منطلقاتنا اللغوية:
تسهيلاً للبحث أرى أن أحيل مسألة موضع التطبيق هذه إلى (دلالة) الكلمة في اللغات الأجنبية ثم في اللغة العربية.
فماذا عن دلالة الكلمة في اللغات الأجنبية:
يقول (برغسون): "الكلمة مومياء... جثة فارقتها الحياة.." (في فلسفة اللغة كمال حاج يوسف) ص57.
ولما كانت اللغة الفرنسية هي أكثر اللغات الغربية أناقة في الصياغة ورشاقة في التعبير، وكان (برغسون) الفيلسوف الأديب على رأي نقاده: هو (أعرق كتاب أمته وأكثرهم جلالاً في الإنشاء وأسحرهم بياناً وإيحاء...) فإن هذا الحكم القاسي الذي أصدره على الكلمة الفرنسية ينسحب فيما أرى على الكلمة في اللغات الأجنبية جميعاً.
ولا شك في أن (برغسون) قد حكم بالموت على الكلمة الفرنسية لأنه لم يعثر على أي رابطة فطرية بين معانيها وبين خصائص أحرفها.
ولقد نحا (برغسون) في حكمه هذا على الكلمة منحى (لوك) الذي قال: "الكلمة في اللغات الغربية هي إشارات اصطُلِح عليها. فهي لا تنوب عن الأشياء بصورة مباشرة، بل تنوب عن الأفكار القائمة مقام الأشياء" (محاضرات في علم النفس اللغوي د. حنفي ابن عيسى ص31).
أما الشعراء الرمزيون فهم على النقيض من (برغسون ولوك) إذ يقررون: "الكلمة هي صوت الوجدان لها سحرها ودفؤها وعبقها، جهرها وهمسها، شدتها ولينها، تفخيمها وترقيقها، لها بتولة الفكر وطهارة النفس. إنها مظهر من مظاهر الانفعال النفسي".
وإذن فالكلمة لدى الرمزيين هي حية لا مومياء ولا مصطلح قد حجره الاستعمال، ولا رمز ميت على معنى ليخلصوا من ذلك كله إلى أن اللغة هي غاية وليست مجرد وسيلة للتعبير عن المعاني، "في علم النفس اللغوي ص57".
ولكن ماذا يبقى للشعراء الرمزيين أنفسهم من عبق الكلمة وسحرها وانفعالها ووجدانها وإيحائها إذا هم قرؤوها بنزاهة وحيادية، فلم (يموسقوا) جملها الصوتية: جهراً وهمساً، تفخيماً وترقيقاً، إلى آخر اعزوفتهم على أوتار أصوات أحرفها؟ أفلا تتحول الكلمة الفرنسية وغيرها إلى مومياء، إلى جثة فارقتها الحياة إلى مصطلح، إلى رمز. فتصبح لغاتهم بذلك وسيلة لا غاية، كما قال (برغسون)؟
ثم ماذا عن (دلالة) الكلمة العربية في دراساتي؟
إن كل ما اضفاه الرمزيون على كلماتهم: "حياة، حيوية، أناقة، رشاقة إيحاء وجدان، انفعال..) إنما هو بعض ما علق بالكلمة العربية عفو الفطرة في خصائص أحرفها تعبيراً عن معانيها.
خصائص حسية وشعورية (وجدانية)، قد جاءت الكلمة العربية إرثاً عن مراحل (غابية ثم زراعية ثم رعوية شعرية). فتحول كل حرف من حروفها بفعل تعامله مع الأحاسيس والمشاعر الإنسانية طوال الاف الأعوام، إلى وعاء من الخصائص والمعاني. فما أن يعيها القارئ أو السامع، حتى تتشخص الأحداث والأشياء والحالات في مخيلته أو ذهنه أو وجدانه. وبذلك ينوب الحرف في العربية عن الكلمة وتنوب الكلمة عن الجملة، ولا رمز ولا اصطلاح.
فمما قاله (ابن جني) في هذا الصدد: إن العربي قد أبدع كلماته: "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد". بمعنى أنه، "كان يضع الحرف الأول بما يضاهي بداية الحديث والحرف الوسط بما يضاهي وسطه، والأخير بما يضاهي نهايته". فكان العربي بذلك يصور الأحداث والأشياء والحالات بأصوات حروفه (الخصائص ج2-ص162-163).
وهكذا إذا كان الرمزيون قد رفعوا من مقام لغاتهم الأجنبية من وسيلة إلى غاية بموسقة صيغ كلماتها وأصوات حروفها، فإن العربية هي بالضرورة غاية في حد ذاتها بلا موسقة مفتعلة.
ففي الكلمة العربية موسيقى باطنية عفوية بلا تصنع، قوامها التوافق الفطري بين خصائص أحرفها وبين ما تدل عليه من المعاني إيحاءً أو إيماءً. فما أن تنشد الكلمة في الشعر العربي الأصيل أو ترتل في القرآن الكريم، حتى نجد أن خصائص الحروف ومعانيها هي التي تتحكم بموسيقاها طواعية ذوقٍ أدبي رفيع بلا قسر ولا تصنع. (اعجاز القرآن - مصطفى صادق الرافعي ص214-215-218).
ولا غرو، فالشعراء هم الذين (موسقوا) الكلمة العربية طوال المراحل الرعوية بإنشادها في أهازيجهم وقصائدهم، فشحنوا أحرفها بشتى الأحاسبس والانفعالات لتتحول الكلمة العربية بذلك إلى تفعيلة (مموسقة) جاهزة للدخول في شتى الأوزان ومهيأة للتداول في شتى القوافي للتعبير عن شتى المعاني بلا موسقة مصطنعة. (الحرف العربي والشخصية العربية) ص98-100.
ولعل أغرب ما يميز العربية من سواها أنها ظلت على الفصحى بلا عامية حتى الإسلام، وإلى ما بعد أن شاع اختلاط أبنائها بمختلف الشعوب. فلقد أجمع علماء اللغة على استحالة وجود فصحى بلا عامية (في فلسفة اللغة ص223). ظاهرة (لغوية واجتماعية) متميزة في اللسان العربي.
القضية الثانية- حول موقع دراساتي من النظريات اللغوية ومدارسها:
لدراساتي منها موقعان رئيسان اثنان. أولهما يتعلق بأصول اللغة، والثاني بالمدارس اللغوية.
أولاً-حول أصول اللغة ونشأتها:
يمكن إجمال النظريات التي تناولت هذه المسألة في فئات أربع.
1-النظرية التوقيفية: تقول إن أصل اللغة (توقيف) أي وحي إلهي. ومن أبرز القائلين بها:
(هيروقليطس دويلاند) الغربيان و(ابن فارس) العربي.
2-النظرية التوفيقية: تقول بالتوفيق بين التوقيف والاصطلاح بمعنى أن الإله قد أقدر الإنسان على أن يصطلح الكلمات تعبيراً عن معانيه. ومن أصحابها (أبو علي الفارسي) ولكن هاتين النظريتين لم تصمدا أمام نقادهما للجانب الغيبي فيهما.
3-النظرية الاصطلاحية: تقول أن أصل اللغة هو الاصطلاح والتواضع. أي أن الأسماء هي مصطلحات قد تواضع الناس على معانيها. فنظم الحروف كما قال (الجرجاني) هو "تواليها في النطق فقط فليس نظمها لمقتضى من معنى". (دلائل الإعجاز ص32). والكلمة كما قال (سوسور): (ليست إلا إشارة، وأن معناها اعتباطي صرف) (تاريخ علم اللغات ص138) لجورج مونين.
وممن قال بها من العرب: (الغزالي- ابن خلدون- عبد القادر الجرجاني- أبو هلال العسكري) وكذلك معظم دكاترة اللغة المعاصرين ومنهم: د.صبحي الصالح في كتابه (دراسة في فقه اللغة) محمد المبارك في كتابه (فقه اللغة) د.فايز الداية في كتابه (علم الدلالة العربي).. د. حنفي ابن عيسى في كتابه (محاضرات في علم النفس اللغوي..) د.جعفر دك الباب. في كتابه (دلائل الإعجاز)- وغير صحيح ما قالوه بصدد العربية.
وممن قال بها من الغرب: ديموقريطس - هوموجيس. أرسطو- القديس توماس -باكون - روسو - كوندياك- ديكارت- هوبيز- سبينوزا-لوك -ليبنتز- سوسور، وأصحاب الفلسفة المظهرية الحديثة وكذلك المعاصرون من علماء اللغة وفلاسفتها وصحيح ما قالوه بصدد لغاتهم.
4- النظرية الفطرية -تقول: إن أصل اللغة فطري، ومما جاء على ألسنة أصحابها أن اللفظة قد اقتبست من الطبيعة بالمحاكاة، وأن الألفاظ بدأت بتقليد الأصوات في الطبيعة، وأن ثمة علاقة ذاتية بين الفكر والكلمة. وهكذا إلى المزيد من التعاريف التي يمكن ضمها تحت لواء المدرسة الواقعية القائلة "اللغة جزء من الواقع الطبيعي" (المرجع السابق ص15).
فممن قال بها من العرب: ابن جني -الفراهيدي وتلميذه سيبويه- ابن سينا- عبّاد ابن سليمان الضيمري الكرملي. محمد فارس الشدياق في كتابه (سهر الليال في القلب والابدال). العلايلي في كتابه (مقدمة اللغة العربية) الأرسوزي في مؤلفاته جميعاً. عبد الحق فاضل في كتابه مغامرات لغوية. وصحيح ما قالوه.
وممن قال بها من الغرب: أفلاطون. القديس أوغسطنوس- القديس غريغوريوس- ديولاند- همبولدت دونيس سكوت- فيكو وكذلك الشعراء الرمزيون كما أسلفنا وغير صحيح ما قالوه.
ملاحظة: إن جميع الأسماء الواردة آنفاً قد أخذت من المراجع أعلاه.
ولكن ما هو موقع دراساتي من هذه الفئات الأربع:
1-النظرية التوقيفيه: إن اللغة بحكم (كونيتها) المناخية، فإن نشأتها فيما أرى تتماس مع هذه النظرية (الحرف العربي والشخصية العربية ص262).
2-النظرية التوفيقية: هي مزيج من التوقيفي والاصطلاحي. وهي تتماس أيضاً مع محصلة دراساتي كما سيأتي في الفقرة التالية:
3-النظرية الاصطلاحية: إن اللغة العربية بحكم عراقتها التاريخية كان من المحال على أبنائها أن يلتزموا في ابداع جميع مفرداتها وقواعد صرفها ونحوها بالخصائص الفطرية للحروف العربية إذ لم يكن ثمة من رقيب عليهم في ذلك إلا الذوق الفطري السليم الذي كان يتمتع به هزاجها وفصحاؤها وشعراؤها. وكان من المحال أن يبسطوا سلطانهم على كافة الأذهان والأسماع والأذواق المبعثرة في قبائل رعوية مشردة، كان الكثير منها على احتكاك بالشعوب الشقيقة حول أطراف الجزيرة العربية، وذلك على الرغم من تشدد العلماء الذين قاموا بتدوين اللغة العربية منذ منتصف القرن الثاني الهجري، فلم يأخذوا إلا عن القبائل التي قدروا أنها لم تحتك بالشعوب الأخرى، وهي لم تتجاوز السبع من العشرات.
وإذن فإن المعاني (المعجمية) للمفردات التي لا تتوافق مع خصائص ومعاني حروفها هي بالضرورة مصطلحات قد تواضع الناس على معانيها وأصول استعمالاتها، وفيها الدخيل وغير الدخيل على قلتها.
وبذلك تكون دراساتي قد احتوت نظريات الفئات الثلاث:
4-النظرية الفطرية: إن دراساتي اللغوية تنتمي أصلاً إلى هذه النظرية. ولكنها قد تميزت من مدارسها أول ما تميزت بمنطلقها الفلسفي الجديد - "التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية". فقد أخذ بي هذا المنطق قسراً عني، كما عرضت في المقدمة، إلى تقصي خصائص كل حرف عربي في شتى مواقعه بحثاً عن شتى معانيه، وذلك للتثبّت من مدى توافقهما مع مقولتي العتيدة. نهج جديد في التقصي الشامل عن معاني الحروف العربية لم يتبعه أي من أصحاب هذه المدرسة حتى الآن.
وبذلك تكون دراساتي قد تميزت من دراسات أصحاب هذه النظرية: بمنطلقها ونهجها وأسسها، وبشمولية جوانبها (التاريخية، والطبيعية، والاجتماعية، والصوتية، والنفسية) وما إليها.
فكان لا بد أن تأتي بنتائج جديدة، قد ألمحت إلى أهمها في المقدمة، وسيجد القارئ في متن هذه الدراسة المزيد منها في كل حرف.
ثانياً- ماذا عن المدارس اللغوية الأخرى؟ وما هو موقع دراساتي منها:
هل كانت منطلقاتها جميعاً فطرية أصيلة؟ وهل وفق أصحابها في اختيار لغاتهم موضعاً للتطبيق عليها؟ أما من حيث منطلقاتهم (التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية أو الصوتية...) وما إليها فهي بحكم طبيعتها أصيلة وفطرية.
وأما موضع تطبيقها، فهو نقطة الضعف الرئيسة فيها جميعاً، على الرغم من المكاسب المعرفية الهامة التي حققتها في شتى القطاعات التي تناولتها من لغوية ونفسية وصوتية واجتماعية وتاريخية وما إليها.
فكل مدرسة لغوية منها كانت تصل بالضرورة في تقصياتها الخاصة إلى إشكالات معينة، قد تعذر على أصحابها تجاوزها أو الإجابة عما أثير حولها من تساؤلات وشكوك.
فهل يعقل مثلاً أن يستطيع أصحاب المدرسة اللغوية (التاريخية) الصعود إلى أصل اللغة الإنسانية أو أن تستطيع المدارس (النفسية أو الصوتية الوظيفية، أو الاجتماعية) أن تصل إلى نتائج حاسمة باعتماد لغات قد تخلت منذ القدم عن أصول نشأتها الفطرية في (الطبيعة والحس والنفس والمجتمع)، وذلك لهجرها الأوطان التي نشأت وترعرعت في ربوعها، فاحتكت في مهجرها بلغات وشعوب أخرى، على مثال ما وقع للغات الهندية الأوروبية والأكادية (البابلية- الأشورية) انظر فقه اللغة. د.علي عبد الواحد وافي ص(25-27) مما أفسح المجال للفكر أن يتحكم اعتباطاً بمعاني كلماتها وقواعد صرفها ونحوها بعيداً عن العوامل الفطرية الأساسية في نشأة اللغة الإنسانية.
وهكذا كان علماء اللغة اللاحقون وفلاسفتها ينتقلون من نظرية إلى أخرى، ومن مدرسة إلى مدرسة، منذ هيروقليطس قبل الفين وخمسمئة عام حتى انتهت هذه السلسلة إلى مدرسة (علم اللغة العام) المعاصرة التي طوت تحت لوائها جميع المنطلقات السابقة. وما أحسب أن صاحبها (سوسور) وتلاميذه سيصلون إلى نتائج حاسمة مادام اختيارهم سيقع على لغات غير فطرية.
أما اللغة العربية فهي بحكم نشأتها الفطرية وأصالة الإنسان الذي أبدعها في بيئة واحدة مستقلة ومنعزلة هي (الجزيرة العربية)، خلال مراحل غابية، ثم زراعية، ثم رعوية شعرية. مما أعطى المجال للنزعة الشعرية (الجمالية- الإنسانية) للاستمرار في تحكمها بمعاني مفرداتها وقواعد صرفها ونحوها. وهكذا قد حافظت العربية حتى الآن على أصالتها وفطرتها بفعل هزاج الجاهلية وشعرائها وفصائحها ورعاية القرآن الكريم لها.
ولذلك، فإن العربية بأصالتها الفطرية هي أصلح موضع لتطبيق جميع النظريات اللغوية للتثبت من صحة منطلقاتها، وللإجابة أيضاً عن جميع التساؤلات والإشكالات التي اعترضتها في اللغات الأجنبية، وظلت حتى الآن بلا إجابات ولا حلول صحيحة.
فدراساتي اللغوية هذه قد تداخلت مع منطلقات المدارس اللغوية جميعاً عفو تقصياتي الخاصة عن الروابط الفطرية بين القيم (الجمالية والإنسانية) في خصائص الحروف العربية ومعانيها.
ومرد هذا التداخل أن الحروف العربية (بخصائصها ومعانيها) مشحونة بشتى الأحاسيس والمشاعر الإنسانية مما جعل الكلمة العربية بهذه الطاقة الذاتية ( تشخص) الأحداث والمسميات والحالات الوجدانية، في مخيلات سامعيها وأذهانهم وفقاً لمقولة ابن جني:
"سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".
وهكذا قد تداخلت دراستي أول ما تداخلت من علوم اللغة مع أصول علم (الدلالة) وعلم (الأصوات الوظيفي) وذلك من حيث القدرة الدلالية والتعبيرية للحرف في الكلمة العربية عن (المعنى المقصود والغرض المراد). كما تداخلت مع أصول علم اللغة (التاريخي) بمعرض الكشف عن فطرية اللغة العربية وأصالة الإنسان العربي وريادة الجزيرة العربية في الشؤون الحضارية، كما جاء في الفصل الثالث من دراساتي "الحرف العربي والشخصية العربية". تحت عنوان "الجزيرة العربية مهد الإنسان العربي وحضارته".
وكما تداخلت مع أصول علم اللغة "النفسي" بالكشف عن الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) في الحروف العربية، وكذلك بالمطابقة بين (شخصيتي) الحرف العربي والإنسان العربي في مكوناتهما- (الحيوية والاجتماعية والثقافية) كما جاء في الفصلين الرابع والخامس من المرجع السابق.
كما تداخلت دراستي (خصائص الحروف...) بخاصة مع علم اللغة (الاجتماعي) بالكشف عن الوظائف الاجتماعية للحروف العربية بمعرض التعبير عن معاني المفردات معجمياً، وعن أصول كثير من قواعد صرف العربية ونحوها، بما يتوافق مع تقاليد المجتمع العربي (الذكورية والأنثوية) ومع عاداته الرعوية، كما جاء في دراسة أحرف (ث-ذ-ش-ل-ف-م) وغيرها.
وما أحسب أن أي مدرسة لغوية أخرى غير ما ذكرت آنفاً أو أي مدرسة جديدة مقبلة إلاّ وستجد لها في دراساتي عن الحرف العربي وخصائصه ما يتداخل أو يتماس مع مبادئها وأصولها. فكل مدرسة لغوية تهدف إلى الكشف عن الخصائص الفطرية (الطبيعية أو الإنسانية) في أي جانب من جوانب اللغة الإنسانية، لا بد أن تجد لمنطلقاتها وأسسها تطبيقات صحيحة على الفصحى العربية التي استوفت شروط فطرتها.
الخاتمة
إن كل ما جاء من المستجدات (التاريخية والطبيعية والاجتماعية والحسية والنفسية والصوتية..) وما إليها مما عرضته في المقدمة يعتبر إضافة جديدة على النظريات اللغوية العربية، وليس توسعاً فيها. وذلك بحكم اعتمادي منطلقاً فكرياً جديداً هو: "التوافق بين القيم الجمالية والإنسانية) وتطبيقه على اللغة العربية الفطرية.
وهكذا فإن هذه المستجدات عن الحرف العربي، فيما أرى، تفتح آفاقاً جديدة أمام النظريات اللغوية العربية والغربية بخاصة، وذلك لحل المشكلات التي واجهتها وظلت بلا حلول، ولكن شريطة اعتماد اللغة العربية حصراً.
فكما أن الآثار التي اكتشفها علماء الغرب في أودية الفرات والنيل وربوع بلاد الشام، قد فتحت آفاقاً معرفية إنسانية جديدة أمام الثقافة الغربية الحديثة، فإن الحرف العربي ذا النشأة الفطرية صالح فيما أرى لأن يفتح مثل تلك الآفاق في قطاع نظرياتهم اللغوية.
ويحزنني أن أقول:
ما أحسب أن خصائص الحروف العربية ومعانيها ستأخذ مختلف أبعادها، ما لم يلتفت إليها علماء اللغة في الغرب والشرق، على غرار ما فعل علماء آثارهم في آثارنا.
ولكن، هل سيسمح لهم بذلك المعنيون بغزونا الثقافي المضاد؟


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
خصا ئص الحروف العربية ومعانيها
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ثانوية الساسي رضواني :: المنتديات :: السنة الثالثة ثانوي-
انتقل الى: