ثانوية الساسي رضواني

موقع ثانوية الشهيد الساسي رضواني
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مفهوم القصة بين آراء النقاد ورؤى المبدعين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
gaouaoua tayeb



عدد المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 01/05/2011

مُساهمةموضوع: مفهوم القصة بين آراء النقاد ورؤى المبدعين   الإثنين ديسمبر 26, 2011 11:30 am

مفهوم القصة بين آراء النقاد ورؤى المبدعين

على الرغم من أن السرد واحد من أقدم الفنون، فإن هذا لا يعني أن كل قصة يقل عدد كلماتها، يمكن أن تكون مثالاً لما عرف فيما بعد بالقصة القصيرة.

القصة القصيرة الحديثة (من ناحية مقارنة) جديدة في الأدب، بل إنها أصغر عمراً من الرواية. لقد تم تأصيلها في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، وبعد خمسين عاماً من ظهورها، بلغت مرحلة النضج في أعمال عدد من الكتاب من أبرزهم "موباسان" و"تشيكوف"، ثم ازدهرت بحيث وصلت إلى أكبر قدر من التعبير المكثف الذي عرفته القصة، وتمثل ذلك في أعمال عدد من الكتاب المحدثين الكبار في بداية ومنتصف القرن العشرين من أمثال "جيمس جويس" (1882 – 1941م) و"فرانز كافكا" (1888- 1923م)، و"إرنست هيمنجوي" (1898- 1961م) وغيرهم.

إلا أن ثمة إشكالية تتصل بفن القصة القصيرة؛ أصوله، مفهومه، نظرياته، تقنياته… وهي إشكالية لعلها تبرز في هذا الفن أكثر من أي فن أدبي آخر. وفي الواقع أنه لم تسد نظرية لشكل القصة القصيرة، بل إن معظم سمات هذا الفن جاء بها الممارسون له من الكتاب أمثال "فرانك أكونور" (1903- 1966م) والناقد المبدع "بيتس" (1905- 1974م)، وقبل ذلك "إدجار ألن بو" (1809- 1849م) و"موباسان" (1850- 1893م) وغير هم.

في البدء يمكن ملاحظة معظم الكتاب المبدعين والنقاد يركزون على مسألة السرد والرواية وكأنها التقنية الوحيدة! دون ريب، السرد هو البوابة الرئيسية التي يؤلف من خلالها كاتب القصة القصيرة وكذلك الرواية، لكن هناك معالم ودروساً أساسية لا تساعد في رفع المستوى التقني للقصة والرواية فحسب، بل من دونها لا تكون قصة قصيرة إنما تصبح شيئاً آخر.

وليس من الممكن الحديث عن القصة القصيرة بمعزل عن الرواية، فثمة تداخل بينهما، بل إن هناك من يرى أنه من المستحيل تمييز القصة القصيرة من الرواية على أساس معين غير الطول. إلا أن المشكلة تكمن في أنه لا يوجد تحديد لطول أي منهما، فالقصة الطويلة والرواية القصيرة، مفهومات للقصص التي – بسبب طولها- لا يمكن تصنيفها على أنها قصة قصيرة أو رواية.

من جانب آخر لا يستطيع أحد أن يقول إن القصة القصيرة أكثر وحدة من الرواية؛ فكل منهما يمكن أن تكون ذات وحدة متساوية، كما أن الأوبريت والملحمة يمكن أن تكونا ذات وحدة متساوية، رغم الفارق الكبير في طول كل منهما. أيضاً لا يمكن لأحد القول إن القصة القصيرة تتعامل مع شخصيات أقل، أو فترة زمنية أقصر من الرواية، وحيث أن هذه هي الحالة الغالبة، فإن القصة ذات الصفحات المحدودة يمكن أن تتناول عدداً كبيراً من الشخصيات خلال أكثر من عقد من الزمن، في حين أن الرواية الطويلة يمكن أن تقصر نفسها على يوم واحد في حياة ثلاث أو أربع شخصيات.

تلك رؤية لبعض النقاد، لكن "براندر ماثيوس" أحد المنظرين الأوائل للقصة القصيرة يؤكد قبل قرن من الزمان (1901م) أن القصة القصيرة لا يمكن أن تكون جزءاً من رواية، كما أنه لا يمكن أن يتوسع فيها كي تشكل رواية. ويؤكد بشكل قاطع بأن القصة القصيرة ليست فصلاً من رواية، أو حتى حادثة أو مشهداً تم استقطاعه من قصة طويلة، لكنها في أحسن أحوالها ما تؤثر في القارئ بحيث إنه يصل إلى قناعة أنها سوف تفسد لو أنها كانت أطول من ذلك، أو لو أنها جاءت على نحو تفصيلي أكبر.

إلا أنه في الأدب العربي تجد عدداً من الكتاب تتداخل قصصهم القصيرة مع أعمالهم الروائية مثل "يحيى الطاهر" و"إبراهيم أصلان" و"محمود الورداني". وقد أشار "خيري دومة" في كتابه (تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة) إلى أن يحيى الطاهر نشر قصصاً قصيرة في مجموعة (الدف والصندوق) ثم أدخلها بعد ذلك في سياق روايته (الطوق والأسورة) وينشر إبراهيم أصلان كثيراً من نصوص (وردية ليل) في الدوريات، ثم يعيد تجميعها وإكمالها لينشرها تحت اسم رواية. وينشر محمود الورداني بعض قصصه القصيرة في الدوريات وضمن مجموعاته القصصية، ثم يدخلها بعد ذلك في سياق روايته (نوبة رجوع).

أحد القضايا المهمة التي تتعلق بفن القصة القصيرة تتمثل في النظر إليه ضمن إطار المقدار الكمي للكتابة مع إغفال كافة الجوانب الأخرى. نحن على يقين أن القصة القصيرة هي الابن الشرعي أو بشكل أدق يمكن أن تكن الشقيقة الصغرى لفن الرواية، لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن القصة القصيرة رواية يقل عدد كلماتها.

القصة القصيرة لا تحتمل أن تعالج عدداً من القضايا لعدد من الشخصيات عبر أجيال مختلفة؛ لأنها لو فعلت ذلك فلن تكون سوى سرد لأحداث متتابعة، تخلو من التكثيف اللغوي والمعالجة المركزة. الروائي غالباً ما يتناول شخصيات أكثر، وربما يغطي بشكل تفصيلي فترة زمنية طويلة، ويتناول عدة جوانب من الشخصية الواحدة لكن هذا لا يحدث في القصة القصيرة.

ثمة اتفاق أن الروائي وكاتب القصة القصيرة يستخدمان نفس المادة، التي يلتقطانها غالباً من الواقع المعاش الذي يحيط بهما، لكن الاختلاف بينهما إنما يكون في اختيار الصيغة والشكل الأنسب للتعامل مع هذه الأحداث. وهنا يؤكد "الطاهر أحمد مكي" أنه لا قيمة للزمن هنا. وإذا كان (طول الرواية هو الذي يحدد قالبها، كما أن قالب القصة القصيرة يحدد طولها)، فإن في الوقت نفسه (لا يوجد مقياس للطول في القصة القصيرة إلا ذلك المقياس الذي تحدده المادة نفسها، فالروائي قادر على تحويل الثواني إلى دقائق في القراءة، واللحظة إلى تحليلات متأنية) القصة القصيرة تحوي العناصر الأساسية لتقنية الرواية لكنها تأتي بشكل مضغوط ومركز.

حين يأتي "عباس محمود العقاد" لتعريف القصة القصيرة، نجده يربطها بالرواية لكنه يرى أنها تخالفها. هذه المخالفة ـ حسب رأيه- لا ترجع إلى التفاوت في عدد الصفحات أو السطور أو الإسهاب والإيجاز، وإنما يكون في الموضوع وطريقة التناول.

القصة القصيرة كما يرى "فتحي الإبياري"، تعالج جانباً واحداً من الحياة يقتصر على حادثة واحدة، لا تستغرق فترة طويلة من الزمن، وإن حدث ذلك فإن القصة تفقد قوامها الطبيعي وتصبح نوعاً من الاختصار للرواية.

من جانب آخر، هناك ارتباط عكسي من حيث الإبداع، فـ "ماثيوس" يؤكد في كتابه (فلسفة القصة القصيرة) أن المستوى الكبير الذي تمتاز به الرواية الأمريكية في ذلك الزمن (1901م) يعود الفضل فيه إلى القصة القصيرة، حيث نجد تقريباً أن كل روائي أمريكي تقرأ أعماله من قبل الناطقين بالإنجليزية، قد بدأ ككاتب للقصة القصيرة. وقبل ذلك في سنة 1887م أشار محرر مجلة الناقد إلى كتابة القصة القصيرة والرواية بقوله (كقاعدة يتم إنتاج القصة القصيرة في مرحلة الشباب، في حين أن الرواية إنتاج الخبرة)

وهناك العديد من كتاب القصة الذين حاولوا الهروب من القصة القصيرة، من أبرز هؤلاء تشيكوف (1876 - 1941م) ولعله انتقال أو تطور من كتابة القصة القصيرة إلى الرواية. وفي الثلث الأول من هذا القرن نجد أن عدداً من الكتاب العرب تحولوا من كتابة القصة القصيرة إلى الرواية، ومن هؤلاء "أحمد خيري سعيد"، و"محمود طاهر لاشين" و"محمود تيمور" و"يحيى حقي"… كما يشير إلى ذلك "سيد حامد النساج".

وحين ننظر لساحتنا المحلية نجد الأمر ذاته قد حدث مبكراً على يد "أحمد السباعي" مثلاً، وفي فترة لاحقة يبرز "إبراهيم الناصر الحميدان" الذي نجده في إنتاجه السردي يوازن بين الرواية والقصة القصيرة. ومن كتابنا المحليين من بدأ بالقصة القصيرة ثم اتجه بعد ذلك إلى الرواية مع استمرار إنتاجه للقصة القصيرة، من هؤلاء "عبد الله الجفري" و"غالب حمزة أبو الفرج". أما الجيل التالي فنجد منهم عبد العزيز مشري" و"حسن النعمي" و"عبد العزيز الصقعبي".

في محاولة لإعطاء تعريف للقصة القصيرة كتبت الناقدة الأمريكية "برولكس" في مقدمة (أفضل قصص أمريكية 1997م) تقول بأن القصة القصيرة شكل أدبي صعب، يتطلب اهتماماً أكبر من الرواية من أجل السيطرة والتوازن. إنها اختيار المبتدئين في عالم الكتابة، تجذبهم بسبب إيجازها ومظهرها الودود (الخادع) للموضوعات المختصرة، أو وظيفتها المدركة كاختبار حقيقي قبل محاولة كتابة الرواية ذات الخمسمائة صفحة. ولعله يجدر التأكيد أن هذا الرأي ليس على ظاهره فهو لا يجعل القصة القصيرة محطة عبور فقط، بل إنه يؤكد واقعاً عايشناه ولازلنا في حياتنا الأدبية يتمثل في أن الذين كتبوا الرواية مروراً بالقصة القصيرة أقدر على تملك ناصية الكتابة والتعامل مع التقنيات السردية (ولندع الاستثناءات جانباً) لكننا نؤكد أن القصة القصيرة عالم فني متكامل بذاته ومحطة بقاء دائم لكثير من المبدعين. لكنه خادع بإغرائه، فهو مع فارق الإبداع مثل الشعر ينتسب إليه كثيرون ويبدع فيه قليلون، وهي كالشعر: صعب وطويل سلّمه ، إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه، زلت به إلى الحضيض قدمه.

لكنه رغم ذلك نؤكد صلة الترابط والأسر السردي بين فني الرواية والقصة القصيرة، ومن النقاد من ينظر إليهما نظرة صراع زمني. فإذا كان القرن التاسع عشر يعتبر قرن الرواية فإن القرن العشرين دون ريب قرن القصة القصيرة، كما يؤكد ذلك الناقد المغربي "نجيب العوفي"، في كتابه (مقارنة الواقع في القصة القصيرة المغربية) ويضيف (لقد فقدت الرواية أو كادت تلك الأبهة التقليدية، وذلك الاسترسال النهري الوئيد، وفوجئت بفن جديد مشاغب وآسر، يقاسمها النفوذ ويتخطاها في السباق. بل إن رواية القرن العشرين ذاتها لم تنج من أسر وفتنة هذا الفن الجديد، فإذا بها في أهم نماذجها عبارة عن مونتاج قصصي، أو مجموعة من اللوحات القصصية المتصلة المنفصلة، على غير ذلك المنوال المتلاحم المنسجم الذي نسجت عليه الرواية الكلاسيكية، وهو ما أصبح معروفاً لدى بعض النقاد بـ (الرواية الأبيسودية).

وفي محاولة لتقريب مفهوم القصة القصيرة، يرى بعض النقاد ضرورة اشتمالها على وحدة الموضوع ووحدة الغرض ووحدة الحادثة. فالرواية قد تعطي نظاماً حياً طويلاً ومعقداً، فتضم السيرة الكاملة لإنسان أو مجموعة من الناس، بل قد تضم جيلين أو ثلاثة، أما القصة القصيرة فمن المستحيل عليها أن تفعل ذلك.

وإذا كانت الشخصيات في الرواية تبدأ صغيرة ثم تكبر مع الأحداث، وتتحرك من مشهد لآخر، ومن مكان إلى مكان، كما تقول الروائية "فرجينا وولف" (1882- 1941م)، فإن الأمر يختلف بالنسبة للقصة القصيرة، فالزمن لا يتحرك إلا في إطار ضيق جداً، كما أن الشخصيات لا تتحرك كثيراً ولا يمكن لهم أن يكبروا في السن.

يشير "محمد يوسف نجم" في كتابه (القصة) إلى أن الرواية " تصور فترة كاملة من حياة خاصة أو مجموعة من الحيوات" بينما القصة القصيرة "تتناول قطاعاً أو شريحة أو موقفاً من الحياة" ولذا فإن كاتب القصة القصيرة يتجنب الخوض في تفاصيل الأحداث التي تكون في الرواية، لأنه يعتمد الإيحاء في المقام الأول. وإذا كانت الرواية تعرض لسلسلة من الأحداث الهامة، وفقاً للتدرج التاريخي أو النسق المنطقي فإن القصة القصيرة تبرز صورة واضحة المعالم لقطاع من الحياة من أجل إبراز فكرة معينة. ويضيف إلى أن الفرق الجوهري بين الأقصوصة والقصة (ويعني القصة القصيرة والرواية) أن "الأقصوصة تبني على موجة واحدة الإيقاع، بينما تعتمد القصة على سلسلة من الموجات الموقعة، تتوالى في مدها وجزرها، ولكنها أخيراً تنتظم في وحدة كبيرة كاملة". وهذه عبارات شعرية تؤدي نفس المعنى الذي سبق طرحه من أن القصة القصيرة تركز على حدث واحد، بلغة ورؤية مكثفة، في حين أن الرواية تقوم على سلسلة من الأحداث المتتابعة، وبالتالي يمتد الزمن إلى وقت طويل في الرواية، في حين تكون القصة القصيرة محدودة الزمن جداً.

"شكري عياد" يؤكد في هذا الإطار أنه (من الجائز أن تمتد أحداث القصيرة على زمان طويل) ويمثل لذلك بواحدة من أشهر قصص موباسان ( الحيلة). أما "رشاد" رشدي فيبين أن كاتب القصة القصيرة غير معني بسرد تاريخ حياة كاملة لشخصية من الشخصيات أو إلقاء الضوء على أحداث متعددة، أو التركيز على زوايا متعددة للشخصيات والأحداث، فتلك من مهام كاتب الرواية. أما في القصة القصيرة فإن الكاتب يصور الحدث من زاوية واحدة فقط، ويصور موقفاً محدداً من حياة الفرد. والاستثناءات مهما كثرت رغم قيمتها الأدبية تظل خارج إطار التصور العام.

لو أردنا تقديم تعريفاً للقصة القصيرة فسنجد أن ثمة طرقاً مختلفة، لكن بأي طريقة تم تعريفها، ستبقى بشكل أساسي فن اتصال موجز، بمعنى أن الشكل الأساسي لها أن تكون محدودة الكلمات، وهذا التعريف في الواقع ينطلق من مفهوم الرواية، ولذلك فإن من أقدم التعريفات للقصة القصيرة ما قدمه مؤصل هذا الفن الشاعر الأمريكي "إدجار ألن بو"، فهو يعرف القصة القصيرة التي أسماها القصة النثرية بطريقة بدائية حيث يرى أنها المروي الذي يمكن أن يقرأ في جلسة واحدة، ورغم بساطة هذا التعبير إلا أنه يخرج من رحم الرواية، التي عادة ما تحتاج إلى فترة أطول في قراءتها.

وقد أثار هذا التعريف بعض النقاد فتساءل "وليام سارويان" أن مشكلة هذا التعريف تكمن في أن بعض القراء يمكنهم الجلوس فترة أطول من الآخرين، ويأتي ويلز ليعطي تعريفاً زمنياً أكثر تحديداً، فيشير إلى أن القصة القصيرة هي التي يمكن قراءتها في مدة تتراوح بين ربع ساعة وثلاثة أرباع الساعة، ثم يضيف إنها حكاية تجمع بين الحقيقة والخيال، وتتسم بالتشويق والإمتاع، وليس من المهم أن تكون إنسانية أو غير إنسانية، تمتلئ بالأفكار التي تثير القارئ، أو تكون سطحية تنسى بعد قراءتها بلحظات، (المهم أن تربط القارئ لمدة تتراوح بين ربع ساعة وخمسين دقيقة، ربما يثير فيه الشعور بالمتعة والرضا) كما جاء في كتاب فن القصة لـ"حسين القباني".

وفي محاولة لإيجاد تعريف أكثر دقة ضمن إطار الكم، نجد "سارويان" نفسه في حديثه عن القصة القصيرة يحدد أن القصة القصيرة ينبغي أن تتراوح كلماتها بين ألفين وخمسمائة كلمة وعشرة آلاف كلمة، فإن قلت عن هذا العدد أصبحت قصة قصيرة جداً، وإن زادت عن ذلك أصبحت قصة قصيرة طويلة، وإن تجاوزت عشرين ألف كلمة أصبحت رواية قصيرة، لكنه بعد ذلك يضيف بأن مثل هذا التحديد، وإن بدا مريحاً لبعض النقاد، فإنه لا معنى له.

وفي نفس الإطار نجد أن ناقداً آخر هو "جرويج" يحدد بأن طول القصة يجب أن يكون حوالي ثلاثة آلاف كلمة، ويرى "بيرنت" أنها أقصر من الرواية، لكنها عادة لا تكون أكثر من خمسة عشر ألف كلمة.

وإذا كانت الصحافة لعبت دوراً كبيراً في تقديم القصة القصيرة للقراء وانتشارها على مساحة جغرافية وثقافية واسعة فإنها حولتها إلى فن محكوم بصياغة محددة، بل رفضت عدداً معيناً من الكلمات؛ كي تناسب مساحة محددة قررتها الصحيفة سلفاً. وقد حدث ذلك في فترة مبكرة في عدد من الصحف الغربية، بل إن ثمة تزامناً تقريبياً بين نشأة الصحافة وانتشار القصة القصيرة، وإن كلاً منهما قد خدم الآخر، ففي الوقت الذي نجد أن الصحافة لعبت دوراً كبيراً في توسيع رقعة قراء القصة القصيرة وزيادة انتشارها على مساحة جغرافية أكبر ومستويات اجتماعية وثقافية مختلفة، فإنها في نفس الوقت فرضت عليها مقداراً كمياً محدداً، نظراً لمحدودية الزوايا والصفحات، واتخذت الصحافة من القصة القصيرة بدلاً عن الرواية، التي كانت تنشرها مسلسلة، لكنها حين رأت أن القارئ ليس بمقدوره المتابعة اليومية أو الأسبوعية الدائمة تحولت إلى القصة القصيرة حيث وجدت فيها البديل الأفضل المناسب للصحيفة السيارة المقروءة في ذات اليوم.

وفي عالمنا العربي، يؤكد يحيى حقي في (فجر القصة المصرية) أن من أسباب تغلب القصة القصيرة على الرواية في مصر مع بداية القرن أن الجرائد اليومية كانت تمثل الطريق الوحيد للنشر، إذ لم تبدأ مطابع كثير في نشر مجاميع قصصية قصيرة، كما أن الجرائد- على حد تعبير حقي- تفضل نشر قصة كاملة مستوعبة الموضوع من أن تنشر قصة مطولة، فالقصة الطويلة (الرواية) حين يتم نشرها على أجزاء عديدة، سيجد القارئ صعوبة في متابعتها، ناهيك أنه التزام قد لا تستطيع الجريدة الوفاء به بشكل منتظم.

وظاهرة نشر الروايات مجزأة لم تنته من الصحافة، ولعل القارئ لا يزال يذكر رواية "إبراهيم شحبي" التي كان ينشرها ملحق الجزيرة الثقافي خلال الفترة الماضية.

حين ننتقل إلى مسألة الكم اللفظي في تعريف القصة القصيرة، فإن هناك جوانب أخرى ترتبط بالمفهوم تستحق وقفات طويلة، لكن سنجد أنها تسير على نفس المنوال، من حيث تعدد مفاهيمها بين النقاد.

القصة القصيرة عند نشأتها ـ مثل بقية الفنون- ظلت متأثرة بنظرية "أرسطو" في التراجيديا التي يرى أنها تمر بالمراحل الثلاث المنطقية؛ البداية والوسط والنهاية، بمعنى أن هناك عملاً كلياً متكاملاً. وهذا الأمر سرى على بقية الفنون الأدبية فيما بعد تقريباً، وحيث أن القصة القصيرة تلتصق بالفن الروائي فقد انتقل هذا المفهوم إليها.

من أهم أساسيات القصة ما عبر عنها "ماثيوس" بشكل موجز حيث قال إن القصة القصيرة لاوجود لها إذا لم يكن هناك قصة تحكى، ويؤكد الناقد "ويت بيرنيت" هذا المعنى في قوله (إني لا أعتقد أنك تستطيع كتابة قصة قصيرة جيدة دون أن يكون في داخلك قصة جيدة.. أفضّل أن يكون لديك شيء تقوله من غير تقنيات القصة، عن أن تملك التقنيات وليس لديك شيء تقوله)

والحقيقة أن التأكيد على وجود قصة مسألة متفق عليها تقريباً، لكنها تنبئ عن الرؤية الأساسية للقصة في بداية نشأتها، ولعل "ماثيوس" وهو يؤكد هذا الأساس في القصة القصيرة، يشير بتوقع منه إلى ما ستؤول إليه القصة القصيرة حيث غدت مجموعة من المفاهيم المختلفة، التي من بينها انحرافها من فن القص إلى مسائل تعبيرية كثيرة، ضمن إطار فن التجريب، وهو أمر تتيحه القصة القصيرة أكثر من أي فن أدبي آخر.

هذا الأمر جعل "محمد الشنطي" يقول: (إن القصة القصيرة من أكثر الفنون استعصاء على التنظير والتأطير الشكليين، إلى الحد الذي أدى إلى شيوع القول بأن كل قصة هي تجربة جديدة في التكنيك) ولذلك نجد أن "سارويان" يرى أن القصة القصيرة هي أكثر الفنون الأدبية حرية. هذه الحرية جعلت عدداً من الكتاب يكتب ما شاء كيفما شاء دون الالتفات لأصول الكتابة الفنية لهذا الشكل الكتابي.

ولعل المتابع للإنتاج القصصي على المستوى المحلي يلاحظ هذا الأمر بوضوح في العديد من المجموعات القصـصية المجموعة، وعـشرات القصص المنشورة في الصحافة. لقد أصبحت القصة القصيرة فن من لا فن له، وأصبحت تقترب من بحر الرجز بالنسبة للشعراء، مع فارق الانضباط الإيقاعي في الرجز، والانفلات الفني في القصة القصيرة!

إن أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ذلك يتمثل في أن هؤلاء الكتاب المشار إليهم آنفاً غفلوا عن مسألة هامة جداً، وهي أن الحرية التي يتيحها هذا الشكل، وقد لا توجد في أي فن آخر، لا تعني بأي حال من الأحوال انفلات هذا الفن من أي قيود كتابية فنية.

ونظراً لعدم وجود تحديد واضح وصارم لمفهوم القصة القصيرة منذ البدء، فإننا رأينا بعض التحولات في صياغة القصة القصيرة قد حدثت في مرحلة مبكرة. فإذا كانت القصة القصيرة كما أسلفنا تسير في تسلسل منطقي تبدأ بمقدمة لحدث يتطور حتى يصل إلى النهاية ضمن حبكة قصصية تحددها قدرة المبدع، فإن تحولاً في كتابة القصة قد حدث على يد واحد من أبرز روادها وهو "تشيكوف" حيث عمل على إعادة صياغة كتابة للقصة القصيرة، فألغى مقدمة الحدث ونهايته ولم يبق سوى جزء من الحدث دون أن يقود إلى نهاية محددة، فالحبكة بمفهومها التقليدي لم تعد تتوفر في القصة القصيرة. وهذه الظاهرة وجدت في القصة القصيرة في مصر في نهاية السبعينيات، حين حدث تحول في كتابة القصة القصيرة في أعقاب حرب 1967م، أشار إلى ذلك "مراد مبروك" الذي لاحظ بروز ظاهرة تفتيت الحدث واللغة، وتبعثر الحدث في البناء الكلي للقصة، ولم يعد متمركزاً في نقطة معينة.

إضافة إلى ذلك فقد انتفت البداية والنهاية في القصة، وتحولت إلى مجموعة من البنى المتراصة والمتسلسلة تسلسلاً غير منطقي، لكن يوجد بينها الترابطات النفسية ووحدة الشعور. وتمثل هذا النوع من القصص في كتابات "إدوارد الخراط" و"إبراهيم عبد المجيد" و"مجيد طوبيا" وغيرهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مفهوم القصة بين آراء النقاد ورؤى المبدعين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ثانوية الساسي رضواني :: المنتديات :: السنة ثانية ثانوي-
انتقل الى: